عبد الفتاح اسماعيل شلبي

229

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي

ونصوص أبى على كاشفة عن رأيه في القياس على غير ذلك الذي انتهى إليه الأستاذ أحمد أمين ، وفيها يبدو أبو علي أقرب إلى المحافظين منه إلى المجددين ، واقرءوا نصه الذي قال في الحلبيات : « ولو لم يعاضد القياس السماع حتى يجيء السمع بشيء خارج عن قياس لوجب اطراح القياس ، والمصير إلى ما أتى به السمع ، ألا ترى أن التعلق بالقياس من غير مراعاة السمع منه يؤدى إلى الخروج عن لغتهم والنطق بما هو خطأ في كلامهم ؟ فلو أعللت استحوذ ، ولم تراع فيه السماع وقلت : « انه جاء معلا نحو استعاد ، واستفاد ، فكذلك أعل هذا المثال قياسا على الكثير الشائع ، لكنت ناطقا بغير لغتهم ، ومدخلا فيها ما ليس منها ، فالقياس أبدا يترك للسماع ، وإنما يلجأ اليه إذا عدم في الشيء السمع ، فأما أن يترك السماع للقياس فخطأ فاحش ، وعدول عن الصواب بين . ألا ترى أنه يجوز في القياس أشياء كثيرة ؛ نحو الجر في لدن غدوة ، والضم في لعمرك في القسم ، واستعمال الماضي في يذر ويدع ، وإيقاع أسماء الفاعلين أخبارا لكاد ، وعسى ثم لا يجيء به السماع فيرفض ولا يؤخذ ، ويطرح ولا يستعمل ، ويكون المستعمل لذلك آخذا بشيء رفضه أهل العربية كما رفضوا استعمال سائر اللغات التي ليست بلغة لهم ، وهذا طريق يؤدى سالكه إلى خلاف ما وضعت له العربية ؛ لأن هذه العلل إنما تستخرج من المسموعات بعد اطرادها في الاستعمال ، لتوصّل إلى النطق به على حسب ما نطق به أهل اللغة العربية ، وتسوى في الفصاحة بمن أدركها ، ويأمن بتمسكه بها الزيغ عن لغة الفصحاء المعربين إلى لغة من لم يكن على وصفهم ، فإذا أدى إلى خلاف ذلك وجب أن ينبذ ويطرح ؛ من حيث كان ضدّا عما له وضعت هذه الصناعة ، واستخرج من أجله هذا العلم « 1 » . ولهذا النص دلالات : أولها : ما يجوز في القياس ، ولا يجيء به السماع يرفض ، ويطرح ولا يستعمل أو كما يقولون : « يحفظ ولا يقاس عليه » . ثانيها : القياس على الشاذ خطأ ، والأخذ به أخذ بشيء رفضه أهل العربية ، وادخال فيها لأجنبي عنها ليس منها ثالثها : يسوى أبو علي الأخذ بالقياس على الشاذ باستعمال سائر اللغات الأجنبية عن لغة العرب .

--> ( 1 ) الحلبيات : نحوش ورقة 52 .